اسماعيل بن محمد القونوي
13
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
نقل عن السمرقندي في شرح التأويلات اختلف أهل الكلام في إضافة الحياء إلى اللّه تعالى فقال قوم بجوازه لوروده في الآية والحديث لأنه قد يحمد منه ما لا يحمد من الشاهد والحياء محمود فهو أحق بالإطلاق وقيل لا يجوز لأنه انقباض القلب وانزواؤه لما يسوؤه ولخوف العجز وهو محال في حقه تعالى فلا يجوز إلا بتأويل كما سيأتي والثاني ظاهر وأما الأول فلا يعرف له وجه إذ الظاهر أنهم أرادوا جواز اطلاقه على الحقيقة بقرينة المقابلة للثاني فإن عندهم يجوز بتأويل أي بمجاز أو مشاكلة وعند أولئك المجوزين يجوز اطلاقه عليه تعالى بلا تأويل ولا أظن أن أحدا ذهب إليه إذ فساده أظهر من أن يخفى ألا يرى أن الرحمن والرحيم محمودان ومع ذلك لا يصح إطلاقهما عليه تعالى بلا تأويل لأن أصل معنى الرحمة رقة القلب وهو محال في شأنه تعالى فاستحالة انقباض القلب الذي هو الحياء أجلى من كل البديهيات فلو قالوا لا نريد به هذا فيرجع إلى القول الثاني فحينئذ الخلل إما في النقل أو في المنقول قوله كما جاء في الحديث تمسك بالحديث لأنه في الآية كان منفيا عنه تعالى فهو في الظاهر كقوله ليس بجوهر ولا عرض لكن ليس فيها لنفي الاستحياء نفسه بل الاستحياء المتعلق بالضرب فيفيد ثبوت أصل الفعل بناء على أن محط الفائدة في النفي بل في الاثبات القيد وإن لم يكن قطعيا لكن لما احتمل نفي المقيد والقيد جميعا أتى بالحديث الصريح في ذلك والحديث الأول أخرجه البيهقي في الزهد عن أنس رضي اللّه تعالى عنه وابن أبي الدنيا عن سلمان رضي اللّه عنه والمعنى أن اللّه تعالى يستحيي أي يعامل معاملة من يستحيي ففيه استعارة تمثيلية والتصدير بكلمة أن وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي لتقوية الحكم والمبالغة في تحقق مضمون الجملة والتعبير بالاسم الجليل لإفادة أن ذلك الاستحياء في غاية من المبالغة لصدوره عن عظيم موصوف بجميع وصف كريم من ذي الشيبة بفتح وسكون مصدر شاب يشيب شيبا وشيبة وقد يطلق على اللحية الشائبة أيضا لكن المراد هو الأول لأنه شامل لمن وصل إلى سن الشيخوخة ولم يعرض البياض في لحيته ولأن إضافة ذو إلى اسم الجنس الذي هو المصدر هو المتبادر فاحتمال كون المراد اللحية الشائبة بعيد المسلم بالجر صفة ذي احتراز عن غيره وأما بدليته منه فليس بمناسب أن يعذبه بدل اشتمال من ذي الشيبة أي يستحيي من تعذيبه وذلك وقار من اللّه تعالى يمنع الشيب عن الغرور والطرب والنشاط ويميل إلى الطاعة والتوبة ويكسر نفسه عن الشهوات فيصير ذلك نورا يسعى بين يديه في ظلمات الحشر إلى أن يدخله الجنة كذا نقل عن الطيبي في شرح قوله عليه السّلام من شاب شيبة في الإسلام كان له نورا يوم القيامة فأفاد أن المراد ذلك لا أن الشيب لا يعذب وإن كان مصرا على العصيان إذ الأدلة الدالة على تعذيب العصاة تعم الشيوخ والشبان « 1 » والغرض تحريض الشيب على التوبة وقطع النفس عن
--> ( 1 ) وفيه أيضا إشارة إلى أن اللّه تعالى مع عظمته وكبريائه إذا كان يستحيي من أن يعذب الشيخ الفاني فالشيخ أحق أن يستحيي حق الحياء من اللّه الأعلى أن يعصى ويتبع الهوى مع دنوه إلى لقاء الجزاء وفيه مبالغة عظيمة إلى ترغيب الاستحياء بحفظ البطن وما حوى .